الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

39

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله : فِي عُنُقِهِ يجوز أن يكون كناية عن الملازمة والقرب ، أي عمله لازم له لزوم القلادة . ومنه قول العرب تقلدها طوق الحمامة ، فلذلك خصت بالعنق لأن القلادة توضع في عنق المرأة . ومنه قول الأعشى : والشعر قلدته سلامة ذا فا * ئش والشيء حيثما جعلا « 1 » ويحتمل أن يكون تمثيلا لحالة لعلها كانت معروفة عند العرب وهي وضع علامات تعلق في الرقاب للذين يعيّنون لعمل ما أو ليؤخذ منهم شيء ، وقد كان في الإسلام يجعل ذلك لأهل الذمة ، كما قال بشار : كتب الحبّ لها في عنقي * موضع الخاتم من أهله الذمم ويجوز أن يكون فِي عُنُقِهِ تمثيلا بالبعير الذي يوسم في عنقه بسمة كيلا يختلط بغيره ، أو الذي يوضع في عنقه جلجل لكيلا يضل عن صاحبه . والمعنى على الجميع أن كل إنسان يعامل بعمله من خير أو شر لا ينقص له منه شيء . وهذا غير كتابة الأعمال التي ستذكر عقب هذا بقوله : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً الآية . وعطف جملة وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً إخبار عن كون تلك الأعمال المعبر عنها بالطائر تظهر يوم القيامة مفصلة معينة لا تغادر منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيت للجزاء عليها . وقرأ الجمهور وَنُخْرِجُ بنون العظمة وبكسر الراء ، وقرأه يعقوب بياء الغيبة وكسر الراء ، والضمير عائد إلى اللّه المعلوم من المقام ، وهو التفات . وقرأه أبو جعفر بياء الغيبة في أوله مبنيا للنائب على أن لَهُ نائب فاعل و كِتاباً منصوبا على المفعولية وذلك جائز . والكتاب : ما فيه ذكر الأعمال وإحصاؤها . والنشر : ضد الطي . ومعنى يَلْقاهُ يجده . استعير فعل يلقى لمعنى يجد تشبيها لوجدان النسبة بلقاء الشخص . والنشر كناية عن سرعة اطلاعه على جميع ما عمله بحيث إن الكتاب يحضر من

--> ( 1 ) كذا في تفسير ابن عطية ، والذي في ديوان الأعشى : فلدتك الشعر يا سلامة ذا * التفضال والشيء حيثما جعلا